ابن كثير
358
البداية والنهاية
أهل العراق ، ونكلوا عن القيام معه ، واستفحل أمر أهل الشام ، وصالوا وجالوا يمينا وشمالا ، زاعمين أن الامرة لمعاوية بمقتضى حكم الحكمين في خلعهما عليا وتولية عمرو بن العاص معاوية عند خلو الامرة عن أحد ، وقد كان أهل الشام بعد التحكيم يسمون معاوية الأمير ، وكلما ازداد أهل الشام قوة ضعف جأش أهل العراق ، هذا وأميرهم علي بن أبي طالب خير أهل الأرض في ذلك الزمان ، أعبدهم وأزهدهم ، وأعلمهم وأخشاهم لله عز وجل ، ومع هذا كله خذلوه وتخلوا عنه حتى كره الحياة وتمنى الموت ، وذلك لكثرة الفتن وظهور المحن ، فكان يكثر أن يقول : ما يحبس أشقاها ، أي ما ينتظر ؟ ما له لا يقتل ؟ ثم يقول : والله لتخضبن هذه ويشير إلى لحيته من هذه ويشير إلى هامته ، كما قال البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن محمد بن إسحاق الصنعاني ( 1 ) ثنا أبو الجواب الأحوص بن جواب ، ثنا عمار بن زريق عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن ثعلبة بن يزيد قال قال علي : " والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لتخضبن هذه من هذه للحيته من رأسه فما يحبس أشقاها " ؟ فقال عبد الله بن سبع : والله يا أمير المؤمنين لو أن رجلا فعل ذلك لأبدنا عترته : فقال أنشدكم بالله أن يقتل [ بي ] غير قاتلي . فقالوا : يا أمير المؤمنين ألا تستخلف ؟ فقال : لا ولكن أترككم كما ترككم رسول الله . قالوا : فما تقول لربك إذا لقيته وقد تركتنا هملا ؟ أقول اللهم استخلفتني فيهم ما بدا لك ثم قبضتني وتركتك فيهم فإن شئت أصلحتهم وإن شئت أفسدتهم ( 2 ) . طريق أخرى قال أبو داود الطيالسي في مسنده : ثنا شريك عن عثمان بن المغيرة عن زيد بن وهب . قال جاءت الخوارج إلى علي فقالوا له : اتق الله فإنك ميت . قال : لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ، ولكن مقتول من ضربة على هذه تخضب هذه - وأشار بيده إلى لحيته - عهد معهود وقضى مقضي ، وقد خاب من افترى ( 3 ) . طريق أخرى عنه قال الحافظ أبو يعلى : ثنا سويد بن سعيد ثنا رشدين بن سعد ، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة ، عن عثمان بن صهيب عن أبيه . قال قال علي : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أشقى الأولين ؟ قلت : عاقر الناقة ، قال : صدقت فمن أشقى الآخرين ؟ قلت : لا علم لي يا رسول الله ، قال : الذي يضربك على هذه - وأشار بيده - على يافوخه فيخضب هذه من هذه
--> ( 1 ) في دلائل البيهقي 6 / 439 الصغاني . ( 2 ) رواه البيهقي في الدلائل 6 / 439 ورواه أيضا في السنن الكبرى عن زيد بن أسلم عن أبي سنان الدؤلي عن علي . ( 3 ) أخرجه أبو داود الطيالسي ، وعنه نقله البيهقي في الدلائل من طريق يونس بن حبيب 6 / 438 .